الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
51
سر الوجود
الزوال والعدم ؟ ! أصلا ماذا سنكون بعد الموت لنستطيع التمتع بهذه التشريفات الخالية من الروح فنشعر بالفخر والإعتراز ؟ لعلنا نتلذذ بمثل هذه العناوين بعد الموت أننا ما زلنا على قيد الحياة ، وإلّا فمن المسلم به أنّه سوف لن يبقى لنا أي أثر آنذاك . ولعلهم إخترعوا مثل هذه العناوين لاستغفال الأحياء وسوقهم نحو العمل والتضحية والجد والمثابرة ، لا على أنّها واقع وجزاء لمن ذهب ، أفيستطيع من ذهب أن يدرك شيئاً من هذا الجزاء ؟ لا يسعنا إلا أن نقول بأنّ هذه الأمور بالضبط أشبه بأن يؤتى بألف نوع ممّا لذّ وطاب من الأطعمة لتوضع أمام جثة هامدة ، فما عساها أن تنتفع من ذلك ؟ * حقيقة الأمر أن مجيئنا للدنيا لا يعدل زحماتها أبداً ، فعدّة سنوات من العجز والجهل ولم يكد يشعر باللذة بشبابه حتى يدب إليه العجز والشيخوخة وأنواع الحرمان والأمراض الفتاكة التي تحيلنا إلى أعضاء مطرودين من المجتمع ، إلى جانب تجاوزنا لكل ما حصلنا عليه من علم وفضل وثروة وأموال لنتجه نحو العدم المطلق ، وإن كانت لنا عيون مفتوحة وأدنى شعور خلال هذه الحياة فإننا سنعيش في عذاب شديد لما نراه من تضييع للعدل واستفحال الظلم والتمييز ، فهناك من لا يمتلك الرغيف من الخبز ، بينما هنالك من تهب الآلاف لمراقبته والسهر على حفظه ورعايته قبل أن يخرج من بطن أمّه ، فلو كان هناك حساب لما مات البعض جوعاً ، بينما لا يعرف البعض الآخر كيف يقضي على ثروته الطائلة ، فهو يمارس الأعمال الطائشة والأفعال التافهة بهدف التقليل من ثروته ، كأن يشتري طابعاً بريدياً